ابن أبي أصيبعة
338
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال : وقد حضرت مرة مع قوم من الأطباء مريضا قد اجتمعت عليه نزلة مع ضيق نفس ، فتركت أولئك الأطباء [ أولا ] « 1 » يسقونه الأدوية / التي ظنوا أنه ينتفع بها ، فسقوه أولا بعض الأدوية التي تنفع من السعال « 2 » والنزلة ، وهذه الأدوية تشرب عند طلب المريض النوم ، وذلك أنها تجلب طرفا من السبات ، حتى أنها تنفع من به أرق وسهر ، فنام ليلته تلك بأسرها نوما ثقيلا ، وسكن عنه السعال ، وانقطعت عنه النزلة . إلا أنه جعل يشكو ثقلا يجده في آلة النفس ، وأصابه ضيق شديد في صدره ونفسه . فرأى الأطباء عند ذلك أنه لا بد من أن يسقوه شيئا ، مما « ينفع ويعين » « 3 » على تفث ما في رئته ؛ فلما تناول ذلك قذف رطوبات كثيرة لزجة . ثم إن السعال عاوده في الليلة القابلة ، وسهر وجعل يحس بشئ رقيق ينحدر من رأسه إلى حلقه وقصبة رئته . فاضطروا في الليلة القابلة أن يسقوه ذلك الدواء المنوم ، فسكن عنه عند ذلك النزلة والسعال والسهر ، إلا أن نفسه ازداد ضيقا وساءت حاله في الليلة القابلة سوءا . فلم تجد الأطباء معه بدا من أن يسقوه بعض الأدوية الملطفة المقطعة لما في الرئة . فلما أن شرب « 4 » نقيت رئته ، إلا أنه عرض له من السعال ومن كثرة الربو « 5 » ومن الأرق بسببها ما لم يقو على احتماله . فلما علمت أن الأطباء قد تحيروا ، ولم يبق عندهم حيلة ، سقيته بالعشى دواء لم يهيج به سعال ولا نزلة ، وجلب له نوما صالحا ، وسهل عليه قذف ما في رئته . وسلكت بذلك [ المريض ] « 6 » هذه الطريق ، فأبرأته من العلتين جميعا في أيام يسيرة ، على أنهما علتان متضادتان فيما يظهر . ويتبين من هذا لمن يريده ، أن من قال من الأطباء أنه لا يمكن أن يبرأ بدواء مرضان متضادان ، لم يصب . وأنا أول من استخرج استعمال هذه الأدوية ، واستعمال الأدوية التي تعالج بها القرحة العارضة في الرئة من قبل نزلة ينحدر إليها من الرأس ، وغير ذلك من أدوية كثيرة ، سأبين طريق ، استعمالها في كتاب تركيب الأدوية . وقال جالينوس في كتابه في أن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم من شرح
--> ( 1 ) في الأصل « له لا » ، ج ، د « أن لا » والمثبت من م . ( 2 ) السعال : اضطراب الرئة لقذف ما يؤذيها . [ التنوير في الاصطلاحات الطبية ، ص 24 ] . ( 3 ) في ج ، د ، م « يعين » . ( 4 ) في الأصل « ما في ذلك » . ( 5 ) الربو : علة رئوية لا يجد الوادع ( أي المستريح ) معها بدا من تنفس متواتر . [ أبى منصور الحسن بن نوح القمرى ، التنوير في الاصطلاحات الطبية هامش ص 23 ، تحقيق وفاء تقى الدين ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ، بدون تاريخ ] . ( 6 ) ساقط في الأصل ، والإضافة من ج ، د .